كمال الدين دميري
477
حياة الحيوان الكبرى
الأمثال : قالوا : « أعمر من نسر » « 1 » وقالوا : « أتى الأبد على لبد » « 2 » وهذا اللبد الذي هو آخر نسور لقمان بن عاد . وكان لقمان بن عاد الأصغر ، قد سيره قومه ، وهم عاد الذين ذكرهم اللَّه في كتابه العزيز ، إلى الحرم يستسقي لهم ، ومعه رهط من قومه ، فلما قدموا مكة نزلوا على معاوية بن بكر ، وهو بظاهر مكة خارج الحرم ، فأنزلهم وأكرمهم ، وكانوا أخواله وأصهاره ، فأقاموا عنده شهرا ، وكان مسيرهم شهرا . فلما رأى معاوية بن بكر طول مقامهم ، وقد بعثهم قومهم يتغوثون لهم ، من البلاء الذي أصابهم ، شق ذلك عليه ، فقال : هلك أخوالي وأصهاري ، وهؤلاء مقيمون عندي ، وهم ضيفي ، واللَّه ما أدري كيف أصنع بهم . فشكا ذلك من أمرهم إلى قينتيه الجرادتين فقالتا : قل شعرا لا يدرون من قاله ، لعل ذلك يحركهم ! فقال شعرا يؤنبهم فيه ويذكرهم الأمر الذي وفدوا لأجله ، فلما غنتهم الجرادتان شعره ، قال بعضهم لبعض : إنما بعثكم قومكم يتغوثون بكم من البلاء الذي نزل بهم وقد أبطأتم عليهم ، فأدخلوا هذا الحرم فاستسقوا لقومكم . فقال مرثد بن سعد ، وكان قد آمن بهود عليه الصلاة والسلام سرا : إنكم واللَّه لا تسقون بدعائكم ، ولكن إن أطعتم نبيكم ، وأنبتم إلى ربكم سقيتم . فأظهر إسلامه عند ذلك ، وقال شعرا يذكر فيه إسلامه . فقالوا لمعاوية بن بكر : احبس عنا مرثد بن سعد ، فلا يقدمن معنا مكة ، فإنه قد اتبع دين هود وترك ديننا . ثم خرجوا إلى مكة يستسقون لعاد ، فلما ولوا إلى مكة خرج مرثد بن سعد من منزل معاوية بن بكر ، حتى أدركهم قبل أن يدعوا اللَّه بشيء مما خرجوا له ، فلما انتهى إليهم ، قام يدعو اللَّه ، ووفد عاد يدعون . فقال : اللهم أعطني سؤلي وحدي ولا تدخلني في شيء مما يدعوك به وفد عاد . وكان قيل بن عتر رأس وفد عاد ، فقال وفد عاد : اللهم اعط ما سألك ، واجعل سؤلنا مع سؤله . فقال قيل : يا إلهنا إن كان هود صادقا ، فاسقنا فإنا قد هلكنا . فأنشأ اللَّه سحائب ثلاثا : بيضاء وحمراء وسوداء . ثم ناداه مناد من السحاب : يا قيل ، اختر لنفسك وقومك من هذه السحائب ، فقال قيل : اخترت السحابة السوداء ، فإنها أكثر السحائب ماء ، فناداه مناد : اخترت رمادا رمدا لا يبقي من آل عاد أحدا . وساق اللَّه السحابة السوداء التي اختارها قيل ، بما فيها من النقمة ، إلى عاد حتى خرجت عليهم من واد يقال له المغيث ، فلما رأوها استبشروا وقالوا : هذا عارض ممطرنا ، يقول اللَّه عز وجل : * ( بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِه رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ ) * الآية « 3 » . وكان أول من أبصر ما فيها ، وعرف أنها ريح مهلكة ، امرأة من عاد ، يقال لها مهدو ، فلما تبينت ما فيها صاحت ثم صعقت ، فلما أفاقت ، قالوا لها : ماذا رأيت ؟ قالت : رأيت ريحا فيها كشهب النار ، أمامها رجال يقودونها فسخرها اللَّه عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما فلم تدع من عاد أحدا إلا أهلكته . واعتزل هود ومن معه من المؤمنين في حظيرة ، ما يصيبه ومن معه ، من
--> « 1 » جمهرة الأمثال : 2 / 66 . « 2 » جمهرة الأمثال : 1 / 105 . « 3 » سورة الأحقاف : آية 24 .